محمد متولي الشعراوي

10640

تفسير الشعراوي

ولم يقولوا مثلاً : سواء علينا أوعظتَ أم لم تَعِظْ ؛ لأن نفي الوَعْظ يُثبت له القدرة عليه . إنما { لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين } [ الشعراء : 136 ] يعني : امتنع منك الوعظ نهائياً ، وكأنهم لا يريدون مسألة الوعظ هذه أبداً ، حتى في المستقبل لن يسمعوا له . إنْ : بمعنى ما النافية ، يعني : ما هذا الذي جئتَ به إلا { خُلُقُ } [ الشعراء : 137 ] الأولين يعني : عادة مَنْ سبقوك واختلاقهم ، يقصدون الرسل السابقين ، كما قالوا : { لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين } [ النمل : 68 ] . وقالوا : { مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } [ يس : 15 ] . فوصفوا نبيهم ، ومَنْ سبقوه من الرسل بالكذب والاختلاق وإيجاد شيء لم يكن موجوداً . والخُلُق : صفة ترسخ في النفس تصدر عنها الأفعال بيُسْر وسهولة ، والصفات التي يكتسبها الإنسان لا تعطي مهارة من أول الأمر ، بل تعطي مهارة بعد الدُّرْبة عليها ، فتصير عند صاحبها كالحركة الآلية لا تحتاج منه إلى مجهود أو معاناة . وسبق أن ضربنا مثلاً بالصبي الذي يتعلم مثلاً الحياكة ، وكم يعاني ويضربه معلمه في سبيل تعلُّم لضم الخيط في الإبرة ، حتى إذا ما تعلمها الصبي وأجادها تراه فعل ذلك تلقائياً ، ودون مجهود وربما وهو مُغْمض العينين .